الأربعاء، فبراير 09، 2011
سيرة ذاتية لمواطن سوري
الخميس، ديسمبر 02، 2010
الإستبداد في خدمة الموساد
الكاتب : الأستاذ صالح النعامي
من الشعارات الجوفاء، الشعار المضلل الذي يُصور العالم العربي وكأنه مقسوم إلى فسطاطي "إعتدال" و"ممانعة"، وهو تصوير فيه الكثير من المبالغة. وإن كانت الدول العربية المنضوية تحت لواء "الإعتدال" هي الدول التي تتساوق مع المشروع الصهيوأمريكي، فإنه يتوجب إعادة تعريف "الممانعة"، ووضع معايير حقيقية لعضوية ناديها. إن أي دولـة تُدار من قِبل نظام ديكتاتوري قمعي لا يمكن أن تكون "ممانعـة"؛ فالديكتاتوريـة والطغيان هما أخطر داء يمكن أن يُصيب جهاز المناعـة لأي شـعب أو أمـة. فوجود مثل هذه الأنظمـة هو الذي يوفر البيئـة الخصبـة لاسـتغوال أمريكا والكيان الصهيوني، فهدف الديكتاتور الأسـمى هو الحفاظ على كرسـيـه، وهو مسـتعد لقبول كل شـيئ من أجل بقاءه في الحكم. النظام "الممانع" هو النظام هو الذي يصون حقوق مواطنيـه؛ لا يعتقلهم ولا يُعذبهم، ولا يُحاربهم في أرزاقهم دون جريرة ارتكبوها إلا لتبنيهم آراء لا تروق للطغاة! الطغاة عبيد لكراسـيهم، والعبيد لا يُحررون أوطاناً ولا يعزون أمـة! من يسـوم شـعبـه صنوف العذاب لن ينتصر لحرمات شـعب فلسـطين التي تُنتهك، فهذه الأمور لا تدخل في نطاق أولوياتـه، وكل ما يعني هؤلاء الأقزام هو العمل على عدم انتقال عدوى التمرد على واقع الذل إلى شـعوبهم. مشهد يعكس بشاعة النفاق العالمي وازدواجية المعايير. ولقد بيَّن أن أكثر ما يُرعب الكيان الصهيوني والمهووسون بـ "ديموقراطيته"، هو أن يُترك الخيار للعرب في اختيار من يرونه مناسباً لإدارة شؤون الحكم لديهم. وأنه كان لأمر بالغ الدلالة ما كشف عنه تلفزيون الكيان باللغة العبرية بتاريخ 10/10/2005 حول تفاصيل اجتماع عقده رئيس وزراء الكيان الأسبق (آرئيل شارون) وعدد مقلص من وزرائه مع كبار قادة الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حول تصور العلاقات المستقبلية مع العالم العربي. فقد كان من اللافت أن هناك إجماعاً بين (شـارون) وقادة أجهزتـه الأمنيـة على أنـه من مصلحـة الكيان الإبقاء على أنظمـة الحكم الشـموليـة في العالم العربي. ليس هذا فحسب، بل أن المجتمعين توصلوا إلى استنتاج مفاده أن التحول الديموقراطي في العالم العربي، وبالذات في الدول التي تُحيط بالكيان الاحتلالي، سيُفاقم المخاطر الاستراتيجية على وجود الدولة العبرية نفسها. المجتمعون الذين استمعوا إلى تصورات قدمها عدد كبير من المستشرقين الصهاينة وعدد من كبار قادة أفرع المخابرات الذين تعاطوا مع الشؤون العربية خلصوا إلى نتيجة مفادها: أن التحول الديموقراطي في العالم العربي سـيُفضي بالضرورة إلى وصول نُخب سـيكون من المسـتحيل على الدولـة العبريـة التوصل معها لتسـويات سـياسـيـة وفق بوصلـة المصالح الإسـرائيليـة. ولم يكن هناك ثمـة خلاف على أن وصول الإسـلاميين إلى الحكم يعني فيما يعني أن الصراع بين العرب والكيان الصهيوني لن يُحل إلا عن طريق الحسـم العسـكري، الأمر الذي يعني أن على الدولـة العبريـة ألا تُعيد سـيفها إلى غمده أبداً...، كما يقول المؤرخ الصهيوني (بنتسيون نتنياهو) والد رئيس الوزراء الصهيوني (بنيامين نتنياهو).
الديموقراطية تعني التشبث بالحقوق
وينضم ما توصل إليه صُناع القرار في الدولة العبرية من سياسيين وعسكريين من استنتاجات قاطعة، إلى فيض من الأحكام التي توصل إليها عدد من كبار الباحثين الصهاينة حول خطورة تحول العالم العربي نحو الدمقرطة. (البرفسور يحزكيل درور) الذي يوصف بأنه "أبو الفكر الاستراتيجي والسياسي" يقول في صحيفة الصفوة "هارتس" بتاريخ 04/03/2005: "أنا مع الديموقراطيـة، ولكن هيا نتخيل ديموقراطيـة في مصر أو في الأردن! فهل هذا سـيُعزز سـلامهما مع (إسـرائيل)؟ بالطبع لا. النُخب الحاكمـة تفهم الحاجة للسـلام، ولكن الجمهور في الشـارع، الجماهير في الأسـواق، بالتأكيد لا. اسـتطلاعات الرأي العام في مصر تُظهر بوضوح أن الجمهور لا يؤيد السـلام مع (إسـرائيل)".
ويُضيف (درور) أنه على مدى تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي فقد كان للجماهير العربية دوماً توجهات "لا سامية" أكثر من الحُكام العرب الذين كانوا في حاجة لليهود. ويخلص (درور) إلى القول أن التحول الديموقراطي في العالم العربي يعني اندفاع العرب نحو التشـبث بحقوقهم.
التعلق بـ (إسرائيل)
ويصل (بن كاسبيت) المعلق الصهيوني البارز في صحيفة "معاريف" نفس الاستنتاج حيث يقول: "أن (إسرائيل) لا يُمكنها أن تعيش في ظل تحول العالم العربي نحو الديموقراطية، حيث أن الرأي العام العربي معادي للسلام معها، في حين تعي الديكتاتوريات العربية أهمية علاقاتها بـ (إسرائيل)".
وفي "مزايا" الأنظمة الديكتاتورية التي يُشدد عليها كبار الباحثين الصهاينة هو حقيقة ارتكاز هذه الأنظمة على موقف الإدارة الأمريكية كمصدر لشرعية بقائها، في حين أن الأنظمة الديموقراطية تستند إلى شرعية نتائج الانتخابات النزيهة التي يُمليها الشعب، كما يرى المستشرق (جاي باخور) الباحث البارز في مركز "هرتسليا متعدد الاتجاهات" في صحيفة "يديعوت أحرنوت" بتاريخ 18/01/2004. ويُنوه (باخور) إلى: أن حقيقـة حرص الأنظمـة العربيـة الشـموليـة على موائمـة سـياسـتها مع السـياسـة الأمريكيـة طمعاً في البقاء، جعلها ترى في مغازلـة (إسـرائيل) والتودد لها بمثابـة "جواز السـفر" لقلب صُناع القرار في واشـنطن! ويجزم (باخور) أن مبادرة أنظمـة الحكم العربيـة للتطبيع مع (إسـرائيل) تأتي فقط لعدم إسـتناد هذه الأنظمـة إلى شـرعيـة الانتخابات، حيث أن كل ما يهم هذه الأنظمـة هو بقاؤها، وليـس مصالح شـعوبها...
ومن المفارقة أن (باخور) يصل لاستنتاج مثير حيث يوصي صُناع القرار في الدولة العبرية بتجاهل مبادرات التطبيع التي تُبديها الأنظمة العربية!!!
يُساعدون (الموساد)
ويُشير الجنرال المتقاعد (داني روتشيلد)، الذي شغل في السابق منصب رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" إلى حقيقة إستفادة (إسرائيل) دوماً من حقيقـة حصر الأنظمـة الشـموليـة في العالم العربي إهتمامها فقط بالحفاظ على اسـتقرارها، وعدم ارتباطها بمصالح شـعوبها الوطنيـة والقوميـة. وأضاف في حديث مع الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية بتاريخ 23/07/2005: "الحكومات التي يتم فرزها ديموقراطياً تكون ملتزمـة بالعمل على تحقيق المصالح الاسـتراتيجيـة لدولها، لذا فأن هناك مصلحـة إسـرائيليـة واضحـة وجليـة في بقاء أنظمـة الحكم العربيـة الحاليـة". ويضرب (روتشـيلد) مثالاً على ذلك بالتطورات الدراماتيكيـة على سـياسـة معمر القذافي، وانقلابـه على شـعاراتـه القديمـة بعد أن تملكـه الفزع من مصيرٍ كمصير صدام حسـين، ومسـارعتـه للإعلان عن التخلص من الأسـلحـة الكيماويـة، وخروجـه عن طوره من أجل اسـترضاء أمريكا!!!
من ناحيته يرى الكاتب والمعلق السياسي الشهير (آلوف بن): "أنه ليس من مصلحة (إسرائيل) تحول العالم نحو الديموقراطية وذلك لأن (إسرائيل) في هذه الحالة ستفقد خصوصيتها كـ "واحة" للديموقراطية في منطقة تحكمها الديكتاتوريات، وبذلك تفقد تل أبيب الحق في الزعم بأنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تربطها قواسم مشتركة مع حضارة الغرب."
ويعتبر الإسرائيليون أن الديكتاتوريات في العالم العربي أفرزت مع مرور الوقت قادة ضعاف، وبوجود هؤلاء القادة تصبح (إسرائيل) هي التي تمنح السلام لهم، لا أن تصنعه معهم، كما يقول (بنيامين نتنياهو) ـ صحيفة "هارتس" 18/04/2005 ـ. ويؤكد (عكيفا إلدار) أن (إسرائيل) وجدت فرصتها الذهبية في ممارسة الضغوط على القادة العرب الضعاف، حيث أن هؤلاء أبدوا دوماً قدراً كبيراً للاستجابة للضغوط التي مارستها عليهم تل أبيب. ولا يُساور (إلدار) شك في أن (إسرائيل) ستفقد هذه القدرة في حال تم استبدال الانظمة الشمولية في العالم العربية بأنظمة ديموقراطية.
وقد وصل الأمر إلى درجة أن كبار قادة أجهزة المخابرات الإسرائيلية يرون أن هناك علاقة وثيقة بين هيمنة الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي وبين استعداد المواطنين العرب على السقوط في حبائل المخابرات الإسرائيلية وقبول عدد كبير منهم للعمل لصالح هذه المخابرات! ويقول (رافي إيتان) الذي شغل منصب قائد وحدة تجنيد العملاء في جهاز (الموساد) المعروفة بـ "قيساريا" في حديث مع التلفزيون الإسرائيلي بتاريخ (15/02/2006): "أن وجود أنظمة حكم شمولية في العالم العربي سهل على (الموساد) تجنيد العملاء من العرب". ويُفسر إيتان ذلك بالقول: "أن وجود أنظمـة حكم قمعيـة تقتل الشـعور بالإنتماء لدى المواطن العربي، وهذا يوفر البيئـة المناسـبـة لتجنيد العملاء من أوسـاط العرب."
أنه إزاء هذا الموقف الصهيوني الواضح والجلي من قضية دمقرطة العالم العربي فأنه يبدو حجم مساهمة الديكتاتوريات العربية في تحقيق مصالح الدولة العبرية بشكل مباشر وغير مباشر، وأنه يتوجب التخلص من هذه الأنظمة والانتقال للانظمة الديموقراطية ولو من أجل تحسين ظروف العالم العربي في المواجهة مع (إسرائيل).
الأربعاء، أبريل 14، 2010
نحييكم من دمشق
الجمعة، ديسمبر 18، 2009
القاضي السابق : هيثم المالح يرافع عن نفسه أمام قضاء غير عادل
الثلاثاء، ديسمبر 15، 2009
سجن صيدنايا : على خطا الأخ التدمري الكبير .
الأحد، نوفمبر 15، 2009
هل يمكن أن يقود الطغاة معسكر الممانعة ؟
حكي أن مؤذناً في أحد المساجد خرج لصلاة الصبح متأخراً وقد طلعت الشمس من مشرقها، فلما استهجن الناس صنيعه، قال مبرراً " أنا حضرت حسب الموعد، ولكن الشمس خرجت اليوم مبكراً ". حال هذا المؤذن حال بعض نجوم الفضائيات من الكتاب العرب المستعدين للي نواميس الطبيعة وقوانين الكون الثابتة، ولديهم القدرة على الافتراء على كل شئ من أجل أن يتجنبوا طرح الأسئلة الهامة والمصيرية، فيأبون تسمية الأسماء بمسمياتها الحقيقية، ولديهم ولع في خوض المعارك الوهمية، فيلوكون شعارات فارغة، ويحولون الكلمات إلى توابيت جوفاء تشحن وتفرغ بالطريقة التي يخططون لها، شعارات تغتال الحقائق، فيكسب القاموس كل لحظة كلمة، لكن الواقع يخسر تبعاً لذلك حقيقة. ومن الشعارات الجوفاء، الشعار المضلل الذي يصور العالم العربي وكأنه مقسوم إلى فسطاطي " إعتدال " و " ممانعة "، وهو تصوير فيه الكثير من المبالغة. وإن كانت الدول الدول العربية المنضوية تحت لواء " الإعتدال " هي الدول التي تتساوق مع المشروع الصهيوأمريكي، فإنه يتوجب إعادة تعريف " الممانعة "، ووضع معايير حقيقية لعضوية ناديها. أن أي دولة تدار من قبل نظام ديكتاتوري قمعي لا يمكن أن تكون ممانعة، فالديكتاتورية والطغيان هو أخطر داء يمكن أن يصيب جهاز المناعة لأي شعب أو أمة. فوجود مثل هذه الأنظمة هو الذي يوفر البيئة الخصبة لاستغوال أمريكا وإسرائيل، فهدف الديكتاتور الأسمى هو الحفاظ على كرسيه، وهو مستعد لقبول كل شئ من أجل بقاءه في الحكم. النظام الممانع هو النظام هو الذي يصون حقوق مواطنيه، لا يعتقلهم ولا يعذبهم، ولا يحاربهم في أرزاقهم دون جريرة ارتكبوها إلا لتبنيهم آراء لا تروق للطغاة. الطغاة عبيد لكراسيهم، والعبيد لا يحررون أوطاناً ولا يعزون أمة.
من يسوم شعبه صنوف العذاب لن ينتصر لحرمات شعب فلسطين التي تنتهك، فهذه الأمور لا تدخل في نطاق أولوياته، وكل ما يعني هؤلاء الأقزام هو العمل على عدم انتقال عدوى التمرد على واقع الذل إلى شعوبهم.
لقد حاكمت أمريكا وبريطانيا ليبيا ونظامها لمجرد أن مواطنين أمريكيين وبريطانيين قتلوا في حادت تحطم طائرة، في حين يسقط عشرات الآلاف من أبناء العروبة ولا يعني هذا شيئاً لأصحاب القرار من " الممانعين " و " المعتدلين ".
بعض نجوم الفضائيات لديهم فن إخراج الأسد من ذيل الغزال، وهم ذاتهم الذين يحرصون على رفع صور الطغاة في المظاهرات المنددة بإسرائيل خوفاً من غضبهم ولإعطائهم الإحساس بأنهم شئ، وهم غير ذلك.
إن كان ثمة أحد يغيظه ما تقوم به إسرائيل ضد فلسطين والفلسطينيين، فإن عليه أن يتحرك ضد مواطن التردي الكبير في واقع الأمة وهي الإستبداد والديكتاتورية التي تقتل روح الإنتماء وتطفئ العزائم. فقط الأمة الهزيلة تنبت الطواغيت، والشعوب القابلة للاستضعاف هي التي توجد الحكام المستكبرين، فالبعوض يولد في المستنقعات والغربان تحط على الجثث الميتة، والنمل يتجمع على هياكل الصراصير، كما يقول أحد المفكرين العرب.
ومن أسف أن تصنيف " الاعتدال والممانعة " لا يلقى اهتماماً لدى الصهاينة، فهاهو المفكر الإسرائيلي دورون نبو يقول " لو أن الشعب الفلسطيني انتمى لأمة غير الأمة العربية لما تجرأت إسرائيل على قمعه بهذا الشكل الوحشي ". وها هو الجنرال شلومو غازيت رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق يقول معلقاً على عقد القمم العربية " لو حدث مرة إن اقتنعت إسرائيل أن الدول العربية صادقة في عدائها لإسرائيل وجادة في نصرتها للشعب الفلسطيني لوافقت منذ زمن بعيد على الانسحاب من الأراضي الفلسطيني التي أحتلت عام 67 ". أن تحرير فلسطين يمر في ممر قصري وهام وهو تحرير الشعوب العربية من الطغيان والاستبداد، فعلى المثقفين العرب أن يخوضوا معركة تحرير شعوبهم من الطغاة " المعتدلين " و " الممانعين "، ويتوقفوا عن الحديث عن فلسطين، ويدعونا من البلاغة اللفظية الفارغة، فكما يقول الفيلسوف البريطاني برتراند راسل فإن البلاغة تتناسب عكسياً مع المنطق السليم.
فالبلاغة الفارغة جعلت الشعارات تتجسد في نقيضها تماماً. وبإسم الحرية للشعب، ألغيت الحريات الأساسية للشعوب وبإسم الأمن أنشأوا أجهزة الرعب والبطش، وباسم الثورة على الفساد أخذوا يقطعون لسان كل من ينتقد الفساد.
لن يكتب لهذه الأمة الغلبة في مواجهة إسرائيل وغيرها إلا بعد أن يتعافى جهازها المناعي الذي انهار بفعل واقع البؤس والقمع.
ارجعوا للتاريخ وانفضوا التراب عن صفحاته المشرقة والمظلمة على حد سواء ستجدون أن أمتنا لم تحقق أي انتصار على عدو خارجي في ظل وجود طغاة صغار متآمرين.
الأحد، نوفمبر 01، 2009
تعامل الإمام حسن البنا مع القضايا الخلافية .
الكاتب : فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي .
والإمام الشهيد حسن البنا عنى أول ما عنى بتصحيح فهم الإسلام لدى المسلمين، وإعادة ما حذف منه على أيدي المتغربين والعلمانيين، فقد أرادوه عقيدة بلا شريعة، ودينا بلا دولة، وحقا بلا قوة، وسلاما أو استسلاما بلا جهاد، وأراده هو كما أراده شارعه عقيدة وشريعة، ودينا ودولة، وحقا وقوة، وسلاما وجهادا، ومصحفا وسيفا . وبذل جهدا كبيرا ليبين للناس : أن السياسة جزء من الإسلام، وأن الحرية فريضة من فرائضه، كما وجه عنايته وجهوده لتكوين جيل مسلم جديد رباني الغاية، إسلامي الوجهة، محمدي الأسوة، جيل يفهم الإسلام فهما دقيقا، ويؤمن به إيمانا عميقا، ويترابط عليه ترابطا وثيقا، ويعمل به في نفسه، ثم يعمل ويجاهد لتوجيه النهضة إليه، وصبغ الحياة به . وفي سبيل هذه الغاية يريد أن يجمع ولا يفرق، وأن يوحد ولا يشتت، ولهذا لا يثير الموضوعات التي من شأنها أن تمزق الصف، وتفرق الكلمة، وتقسم الناس شيعا وأحزابا، وحسبه أن يجتمع الناس على الأساسيات والأصول الكلية للإسلام.
وقد حكى في مذكراته موقفا فيه عبرة يدل على وعيه المبكر وهو في أول العشرينات من عمره بقضية الوحدة وضرورة تجميع أبناء الأمة على أمهات العقائد والشرائع والأخلاق، وتجنب الخلافات الفرعية التي لا تنتهي.
فقد كانت هناك زاوية (مسجد صغير ) يلقي فيها الأستاذ دروسه، وفيها يقول : "كانت هذه الزاوية الثانية هي الزاوية التي بناها الحاج مصطفى تقربا إلى الله تبارك وتعالى، وفيها اجتمع هذا النفر من طلاب العلم يتدارسون آيات الله والحكمة في أخوة وصفاء تام. ولم يمض وقت طويل حتى ذاع نبأ هذا الدرس، الذي كان يستغرق ما بين المغرب والعشاء، وبعده يخرج إلى درس القهاوي حتى قصد إليه كثير من الناس ومنهم هواة الخلاف وأحلاس الجدل وبقايا الفتنة الأولى.
وفي إحدى الليالي شعرت بروح غريبة، روح تحفز و فرقة، ورأيت المستمعين قد تميز بعضهم من بعض، حتى في الأماكن، ولم أكد أبدأ حتى فوجئت بسؤال : ما رأي الأستاذ في مسألة التوسل؟ فقلت له : "يا أخي، أظنك لا تريد أن تسألني عن هذه المسألة وحدها، ولكنك تريد أن تسألني كذلك في الصلاة والسلام بعد الأذان، وفي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، وفي لفظ السيادة للرسول صلى الله عليه وسلم في التشهد، وفي أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، وأين مقرهما؟ وفي قراءة القرآن وهل يصل ثوابها إلى الميت أو لا يصل؟ وفي هذه الحلقات التي يقيمها أهل الطرق وهل هي معصية أو قربة إلى الله"؟ وأخذت أسرد له مسائل الخلاف جميعا التي كانت مثار فتنة سابقة وخلاف شديد فيما بينهم، فاستغرب الرجل، وقال : نعم أريد الجواب على هذا كله!
فقلت له : يا أخي، إني لست بعالم، ولكني رجل مدرس مدني أحفظ بعض الآيات، وبعض الأحاديث النبوية الشريفة وبعض الأحكام الدينية من المطالعة في الكتب، وأتطوع بتدريسها للناس. فإذا خرجت بي عن هذا النطاق فقد أحرجتني، ومن قال لا أدري فقد أفتى، فإذا أعجبك ما أقول، ورأيت فيه خيرا، فاسمع مشكورا، وإذا أردت التوسع في المعرفة، فسل غيري من العلماء والفضلاء المختصين، فهم يستطيعون إفتاءك فيما تريد، وأما أنا فهذا مبلغ علمي، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فأخذ الرجل بهذا القول، ولم يجد جوابا، وأخذت عليه بهذا الأسلوب، سبيل الاسترسال، وارتاح الحاضرون أو معظمهم إلى هذا التخلص.
ولكني لم أرد أن تضيع الفرصة فالتفت إليهم وقلت لهم : "يا إخواني، أنا أعلم تماما أن هذا الأخ السائل، وأن الكثير من حضراتكم، ما كان يريد من وراء هذا السؤال إلا أن يعرف هذا المدرس الجديد من أي حزب هو؟ أمن حزب الشيخ موسى أو من حزب الشيخ عبد السميع؟ !
وهذه المعرفة لا تفيدكم شيئا، وقد قضيتم في جو الفتنة ثماني سنوات وفيها الكفاية . وهذه المسائل اختلف فيها المسلمون مئات السنين ولا زالوا مختلفين والله تبارك وتعالى يرضى منا بالحب والوحدة ويكره منا الخلاف والفرقة، فأرجو أن تعاهدوا الله أن تدعوا هذه الأمور الآن وتجتهدوا في أن نتعلم أصول الدين وقواعده، ونعمل بأخلاقه وفضائله العامة وإرشاداته المجمع عليها، ونؤدي الفرائض والسنن وندع التكلف والتعمق، حتى تصفو النفوس، ويكون غرضنا جميعا معرفة الحق لا مجرد الانتصار للرأي، وحينئذ نتدارس هذه الشئون كلها معا في ظل الحب والثقة والوحدة والإخلاص، وأرجو أن تتقبلوا مني هذا الرأي ويكون عهدا فيما بيننا على ذلك ". وقد كان، ولم نخرج من الدرس إلا ونحن متعاهدون على أن تكون وجهتنا التعاون وخدمة الإسلام الحنيف، والعمل له يدا واحدة، وطرح معاني الخلاف، واحتفاظ كل برأيه فيها حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
واستمر درس الزاوية بعد ذلك بعيدا عن الجو الخلافي فعلا بتوفيق الله، وتخيرت بعد ذلك في كل موضوع معنى من معاني الأخوة بين المؤمنين، أجعله موضوع الحديث أولا تثبيتا لحق الإخاء في النفوس، كما أختار معنى من معاني الخلافيات، التي لم تكن محل جدل بينهم والتي هي موضع احترام الجميع وتقدير الجميع، أطرقه وأتخذ منه مثلا لتسامح السلف الصالح رضوان الله عليه، ولوجوب التسامح واحترام الآراء الخلافية فيما بيننا.
وأذكر أنني ضربت لهم مثلا علميا فقلت لهم : أيكم حنفي المذهب؟ فجاءني أحدهم فقلت : وأيكم شافعي المذهب؟ فتقدم آخر، فقلت لهم : سأصلي إماما بهذين الأخوين فكيف تصنع في قراءة الفاتحة أيها الحنفي؟ فقال : أسكت ولا أقرأ، فقلت: وأنت أيها الشافعي ما تصنع؟ فقال : أقرأ ولابد . فقلت : وإذا انتهينا من الصلاة فما رأيك أيها الشافعي في صلاة أخيك الحنفي؟ فقال : باطلة، لأنه لم يقرأ الفاتحة وهي ركن من أركان الصلاة، فقلت : وما رأيك أنت أيها الحنفي في عمل أخيك الشافعي؟ فقال : لقد أتى بمكروه تحري ما، فإن قراءة الفاتحة للمأموم مكروهة تحريما . فقلت : هل ينكر أحدكما على الآخر؟ فقالا : لا، فقلت للمجتمعين : هل تنكرون على أحدهما؟ فقالوا : لا، فقلت : "يا سبحان الله ! يسعكم السكوت في مثل هذا وهو أمر بطلان الصلاة أو صحتها ولا يسعكم أن تتسامحوا مع المصلي إذا قال في التشهد : اللهم صل على محمد، أو اللهم صل على سيدنا محمد، وتجعلون من ذلك خلافا تقوم له الدنيا وتقعد "، وكان لهذا الأسلوب أثره فأخذوا يعيدون النظر في موقف بعضهم من بعض، وعلموا أن دين الله أوسع وأيسر من أن يتحكم فيه عقل فرد أو جماعة، وإنما مرد كل شيء إلى الله و رسوله وجماعة المسلمين وإمامهم، إن كان لهم جماعة وإمام".
الخميس، أكتوبر 22، 2009
المفكر الإسلامي عصام العطار يتحدث عن البطل هيثم المالح
بقلم: عصام العطار *
أخبار الشرق – 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2009
عرفتُ هيثم المالح من أكثر من ستين سنة، فعرفتُ به مِنْ مطالعِ شبابهِ إلى شيخوختهِ الاستقامةَ والنزاهةَ، والصراحةَ والشجاعة، في مختلفِ مواقفهِ وأعمالهِ ومجالاتِ حياته. ولاؤُه دائماً لدينهِ وأمتهِ وبلادهِ، وما يُؤْمِنُ به مِنَ الحقِّ والعدل، ويُكَرِّسُ لَه نفسَه من خدمةٍ دائبةٍ للإنسانِ وحقوقِ الإنسانِ في بلدهِ، وفي كلِّ مكانٍ آخَرَ مِنَ الأرض. لا يعرِفُ المداهنةَ والمساومةَ والنفاق، ولا يطلبُ مرضاةَ الناس؛ ولكنْ يطلبُ مرضاةَ اللهِ ومصلحةَ الناس، والنصيحةَ الصادقةَ الخالصةَ للهِ وللناسِ، وإن أزعجَ بعضُ صراحتهِ الجريئةِ بعضَهم في بعضِ الأحيان.. وهو لا يَصْدُرُ في ذلكَ كلِّهِ إلاّ عن عِلْمِه وبحثِهِ واقتناعِهِ الموضوعيِّ الذاتيّ، مُسْتَقِلاًّ عَمّا سِوى ذلكَ من المؤَثِّرات.
لقد صَدَمَني وآلمني نَبَأُ اعتقالِ هذا الصديقِ الكبير، والإنسانِ الكبير، والمحامِي الكبير عَنِ الإنسانِ وحقوقِ الإنسان
أَتَمَنَّى أن يُبَادِرَ النظامُ السوريُّ إلى رَدِّ الحريةِ لهذا الإنسانِ الحرّ، ولسائرِ سُجناءِ الرأيِ في سورية، مهما تَعَدّدَتْ أوِ اختلفتْ مَشارِبُهم ومذاهبُهم، وأن يكونَ هناكَ حِوارٌ وطنيٌّ حقيقيٌّ صادقٌ شامل، يوصلُ في هذه المرحلةِ التاريخيةِ الدقيقةِ الخطيرةِ إلى قَوَاسِمَ وطنيّةٍ أساسيةٍ مشتركة، وإلى تلاقٍ صادقٍ واسعٍ على هذه القواسمِ الأساسيةِ المشتركةِ، مِنْ فَوْقِ المصالحِ والمنافعِ والعواملِ الفرديةِ والحزبيةِ والفِئَوِيّةِ الضيّقةِ المفرِّقةِ، ومواريثِ الصراعاتِ والنـزاعاتِ الضارّةِ المهلكة.
إنّ المصالحةَ الوطنيةَ البصيرةَ الواعيةَ المخلصةَ في كل قُطْرٍ عربيٍّ أو إسلاميّ، والمصالحةَ البصيرةَ الواعيةَ المخلصةَ بينَ الأقطارِ والدولِ العربيةِ والإسلامية المختلفة.. هي الآنَ ضرورةٌ من ضروراتِ البقاء، ومواجهةِ المخاطرِ والتحدياتِ الكبيرة الْمُحْدِقَةِ بِنا، والتقدّمِ والحياةِ في عالمنا وعصرنا
يا حكّامَنا في كلِّ بلدٍ عربيٍّ وإسلاميّ
أما آنَ أنْ تُدركوا أنّ مصلحةَ بلادِنا، ومصلحتَكُم في بلادِنا، لا تتحقّقُ بِدَفْنِ أحرارِنا، أو المعارضينَ بيننا، في أعماقِ السجون، ومطاردتِهم في جوانبِ الأرض
أما آنَ لكم أن ترجعوا في أمورِكم، وأمورِ أمّتِكم وبلادِكم، إلى الحقّ، فالرجوعُ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل
وسلامٌ على الشيخِ الجليلِ ابنِ الثمانيةِ والسبعين : أخي الحبيبِ هيثم المالح في سجنهِ وحيثما يكون، وعلى كلِّ مواطنٍ حُرٍّ طاهرِ السيرةِ والسريرةِ قال كلمةَ حقٍّ ودفعَ الثمن، وعلى كلِّ إنسانٍ حُرٍّ شُجاعٍ نبيلٍ يُدافعُ عن الإنسانِ، وحرية الإنسانِ، وكرامةِ الإنسان، وحقوقِ الإنسانِ حيثما كانَ مِنَ الأرض؛ فقضيّةُ الإنسانِ، وحرية الإنسانِ، وكرامةِ الإنسانِ، وحقوقِ الإنسان، هي قضيةُ البشر جميعاً جميعاً في هذا العالم والعصر، وفي كلِّ عصر.
__________
* مراقب عام سابق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا
